الشيخ محمد رشيد رضا

18

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمصائب تربية لهم وتمحيصا ، كما تكون للكافرين عقابا وإبلاسا ، وقد بين للّه تعالى ذلك في مواضع من كتابه أظهرها بيانه إياه بالتفصيل في قصة أحد من سوره آل عمران إذ قصت حكمته بأن يقصر المسلمون في سبب من أسباب النصر في الحرب فيظهر عليهم المشركون فينزل تلك الآيات الحكيمة المبينة للحقائق وسنن الاجتماع في الحروب والشدائد التي أولها ( 3 : 137 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا - إلى قوله - 141 - وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) ومنها قوله ( 140 وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) ولكن شأن المؤمن أن يعرف هذه المداولات بأسبابها وحكمها ويتحرى الاتعاظ وتربية نفسه بها ، لا كما يراها الكافرون والجاهلون بظواهرها وصورها ، والآيات التي بعد ما أشرنا اليه منها تتمة وإيضاح لها ، فيراجع تفسيرها في الجزء الرابع من التفسير . وفي معناها أحاديث كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « عجبا لامر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لاحد الا للمؤمن : ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » رواه أحمد ومسلم من حديث صهيب الرومي رضي اللّه عنه ( فان قيل ) إننا نرى غير المسلمين يعلمون في هذا العصر ما لا يعلم المسلمون من هذه السنن الاجتماعية التي أرشد إليها القرآن ويستفيدون منها عبرا وتقوى للمضار يظهر أثرها باستعدادهم للمصائب قبل وقوعها ، حتى لا يأخذهم بغتة ، وحتى يتلافوا شرورها بعد وقوعها بقدر الطاقة ، ونرى أكثر المسلمين جاهلين وغافلين عن ذلك ، وقد فتن بعضهم بهؤلاء الإفرنج وحسبوا أنهم لا يكونون مثلهم في استمتاعهم واستعدادهم لدفع الشدائد ، والاستفادة من الاحداث والوقائع ، الا إذا تركوا الاسلام ، ونبذوا هداية القرآن ! ! كما فتنوا هم بالمسلمين باحتقارهم لدينهم تبعا لاحتقارهم لهم ، وطعنا فيه بما يظنون من تأثيره في اذلالهم واضعافهم ، فما قولك في ظلم الفريقين له ، وفي انتهاء الحرب العامة الأخيرة باستيلاء غير المؤمنين ، على أقطار عظيمة من بلاد المسلمين ؟ وكون أشد أهل هذه الأقطار استسلاما للذل وخضوعا للقهر ، هم الذين يدعون أنهم أصح إيمانا ، وأحسن اسلاما ؟ حتى كان ذلك فتنة لبعض زعماء شعب سلم من الهلاك بعد ان كاد يحاط به ، فظنوا أن التقيد بالاسلام سبب الهلكة ، والالقاء بالأيدي إلى التهلكة ، وان في الانسلال منها المنجاة وارتقاء المملكة ؟